هل يستطيع ماريسكا تعويض غوارديولا في قيادة مانشستر سيتي؟
بقلم الدكتور طلال عثمان – The GCC Sport
تتصاعد التساؤلات في عالم كرة القدم الإنجليزية مع اقتراب نهاية الموسم عن هوية المدرب القادم الذي سيُكلّف بخطوة مهولة: خلافة جوسيب غوارديولا في مقعد المدرب الأول لمانشستر سيتي. الرجل الذي أعاد تعريف أسلوب اللعب في إنجلترا، وحول السيتي إلى آلة فوز لا تُقهر في العقد الأخير، قد يغادر ملعب الاتحاد بعد 10 مواسم مُبهرة، فيما يُبرز اسم الإيطالي إنزو ماريسكا كأبرز المرشحين لملء هذا الفراغ الكبير.
غوارديولا… نهاية عصرٍ؟
يتردد اسم “بيب غوارديولا” الآن في سياق التكهنات عن الرحيل أكثر من الحديث عن استمراره. هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أشارت إلى أن مغادرة المدرب الإسباني من مانشستر سيتي بعد مباراة الفريق الأخيرة في الدوري أمام أستون فيلا باتت في حسابات النادي، رغم أن عقده ممتد حتى صيف 2027. صحيفة “ديلي ميل” لم تتردد في الجزم بأن غوارديولا سيترك منصبه بعد مواجهة فيلا، بينما تتحدث “بي بي سي” بحذر أكبر عن بدء الاستعدادات داخل النادي لفترة ما بعد غوارديولا، مع توقّع رحيل عدد من أفراد جهازه الفني.
منذ وصوله إلى مانشستر في 2016، قاد غوارديولا السيتي إلى 20 لقباً خلال 10 سنوات، بينها 6 ألقاب في الدوري الإنجليزي الممتاز، ونسخة واحدة من دوري أبطال أوروبا، إضافة إلى كأس الرابطة الإنجليزية وكأس إنجلترا هذا الموسم. ولم يقتصر التأثير على النتائج فحسب، بل امتدّ إلى طريقة اللعب نفسها، حيث أصبح الاستحواذ المُحكمّ والبناء من الخلف جزءاً من هوية السيتي، ومن أثر “الغوارديولية” في الكرة الإنجليزية ككل.
الإيطالي الأقرب: إنزو ماريسكا
في وسط كل هذه الأحاديث، يبرز إنزو ماريسكا كمرشّح مُفضّل، لاعتبارات فنية وشخصية تربطه مباشرة بمانشستر سيتي وبفكرة غوارديولا. المدرب الإيطالي، البالغ من العمر 46 عاماً، عمل سابقاً ضمن الجهاز الفني للسيتي، وشارك في بناء مشروع الأكاديمية، وشاهَد من داخل غرفة الملابس كيف تُرسّخ فلسفة اللعب الهجومي والانضباط التكتيكي التي شكّلت لبّ نجاح غوارديولا.
قبل أن يُصبح المدرب الجديد لتشيلسي، قاد ماريسكا ليستر سيتي إلى الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز، ثم أظهر تفّوقاً استثنائياً مع تشيلسي، حيث فاز بكأس العالم للأندية، وحصل على لقب دوري المؤتمر الأوروبي، وتأهل مع فريق شاب نسبياً إلى دوري أبطال أوروبا، في ظل دوري إنجليزي لا يرحم. إنجازات ماريسكا أثارت إعجاب غوارديولا نفسه، الذي علّق سابقاً قائلاً: “إنزو ماريسكا واحد من أفضل المدربين في العالم، ما أنجزه مع تشيلسي لا يُقدَّر بما يكفي”.
هل يستطيع ماريسكا أن يحمل المشاعل؟
السؤال الأصعب الذي يطرحه المراقبون: هل يستطيع ماريسكا أن يحمل ثقل إرث غوارديولا، لا من ناحية الألقاب وحدها، بل من حيث مستوى الانتظار وطموح ملاك النادي وجمهوره؟ غوارديولا لم يُعد الجماهير إلى الدوري الإنجليزي فقط، بل علّمها أن تنتظر تفوّقاً أخلاقياً مع فروق هدفية عريضة، وخروج الفريق من الدراما وتكرار اللعب في مراحل حاسمة في كل موسم.
ماريسكا يمتلك عدة مزايا: معرفة بتفكير السيتي وثقافته التكتيكية، وخبرة في التعامل مع فرق صغيرة وتحويلها إلى قوة مُتسقة، ورؤية تدريبية حديثة لا تختلف جذرياً عن فلسفة غوارديولا، خصوصاً في التشديد على مراكمة الكرة في المناطق الأمامية والضغط السريع بعد فقدانها. لكنه يفتقر إلى “السمعة الكونية” لغوارديولا، التي تمنح السيتي هيبة داخل غرف تفاوضات الصفقات الكبرى. سيواجه ماريسكا أيضاً ضغطاً هائلاً من وسائل الإعلام، التي لا ترحم المدربين في ملعب الاتحاد إذا تأخّر الفريق في خلطات الأداء المتوقعة.
السيناريوهات المفتوحة
ورغم قوة اسم ماريسكا، لا يزال مسار غوارديولا مفتوحاً بين البقاء والمغادرة. الرجل الذي تراجع سابقاً عن خطط الرحيل، وامتدّ عقده مرتين، يمكن أن يُخفّف من إيقاعه في مانشستر، أو يبحث عن تحدي جديد في دوري أوروبي آخر، لا سيما إذا كان الدخول من جديد في سباق دوري أبطال أوروبا خياراً جذّاباً له. النادي من جانبه قد يختار ماريسكا كخيار “خلفيّ آمن”، يحمل فلسفته وقادرة على استمرارية المشروع، أو يبحث عن اسم أكبر على مستوى الشهرة العالمية إن أردنا تأمين رسالة قوية للسوق والجماهير.
الخيار استراتيجياً… لا تكتيكياً فقط
اختيار ماريسكا ليس فقط قراراً تدريبياً، بل هو خيار استراتيجي للفترة ما بعد غوارديولا. إذا تقرر أن يُجرب مانشستر سيتي حظّه مع إنزو ماريسكا، فسيكون ذلك دليلاً على أن النادي يثق في مشروعه الداخلي وفي قدرة الأسماء التي صاغها جهازه الفني على مواصلة البناء، لا على إعادة اختراع العجلة من الخارج. أما إذا اتجه النادي إلى مدرب ذو اسم عالمي آخر، فستُقرأ الخطوة كمحاولة لإعادة إطلاق العلامة التجارية تحت هوية جديدة، بعد أن ترسّخ غوارديولا سيرة أسطورية في ملعب الاتحاد.
في كلا السيناريوين، يُواجه إنزو ماريسكا سؤالاً لا يُهمّه وحده، بل يهمّ مانشستر سيتي بأكمله: هل يستطيع ماريسكا أن يواصل حكاية غوارديولا، أم سيُكتب عليه أن يحمل لقب “من خلف الظل”، في محاولة جريئة لكنها بالغة الصعوبة؟